منتديات الجنة

الجديد و المفيد على منتديات الجنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  الأزمات الاقتصادية والأوبئة في مصر الإسلامية 5

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المدير العام
المدير العام
avatar

الاوسمة :



الهواية : الرياضة
المهنة : طالب
البلد : المغرب
عدد المساهمات : 348
التقييم : 0

مُساهمةموضوع: الأزمات الاقتصادية والأوبئة في مصر الإسلامية 5    الإثنين سبتمبر 05, 2011 5:19 am

الأزمات الاقتصادية في عصر الطولونيين والإخشيديين



تكاد جمهرة المؤرخين تُجمع على أنَّ العصر الطولوني (254 - 292هـ/ 868 - 904م) كان عصر رخاء وازدِهار اقتِصادي لم تَشْهد مصر الإسلاميَّة مثيلاً له طيلة عصر الولاة، ويُمكننا أن نرجع ذلك الرَّخاء الذي شهده العصْر الطولوني إلى عدَّة أسباب، منها:

1- استِقْلال الطولونيين الذَّاتي، هذا الاستِقْلال الَّذي مكَّنهم من الاحتِفاظ بمعظم الأموال التي كانت ترسل إلى دار الخلافة، فلم يَعُد الطولونيُّون يرسلون منها إلاَّ مبالغ رمزية، وأنفقوا أكثرها في داخل مصر للنُّهوض بشتَّى نواحي النَّشاط فيها، ومن بينها النشاط الاقتصادي.

2- إصلاحات أحمد بن طولون الاقتِصادية، تلك الإصلاحات التي قامت على إصلاح الجباية والكفِّ عن المظالم بأنواعها من ناحية، والنهوض بالزِّراعة والصناعة والتِّجارة من ناحية أخرى[1].

3- امتلاك مصر لرصيدٍ كبير من الذَّهب، توفَّر لها في العصر الطولوني من موارد ثلاثة: ذهب النوبة وتجارة العبور ودفائن الفراعنة[2]، تِلْك الدَّفائن التي كانت تسمَّى المطالب، وكان البحث عنها قد نشط في العصر الطولوني حتَّى إنَّ أحمد بن طولون سنَّ مرسومًا لتنظيم التَّنقيب عنْها، وأخضع هذا التَّنقيب للإشراف الحكومي[3].

4- إصلاح النقْد من حيث الوزنُ والعيار، فقد أصْدر أحمد بن طولون الدِّينار المعروف بالأحمدي - نسبة إليه - والَّذي بلغ الغاية في جوْدة العيار حتَّى طاول الدينار السندي[4].

5- استقرار أحوال الفيضان في العصر الطولوني، فقد شهد هذا العصر تسعة وثلاثين فيضانًا، أوفى النيل في ستَّة وثلاثين منها ولم ينخفض منسوب المياه عن حد الوفاء؛ إلاَّ في ثلاث سنوات فقط (274هـ، 282هـ، 290هـ)؛ لكنَّه لم يتقاصر أبدًا عن حد الكفاية إلاَّ مرَّة واحدة (سنة 290هـ)[5]، ولم يزِد النِّيل عن ثمانيةَ عشرَ ذراعًا طيلة العصر الطولوني، فلم تتهدَّد البلاد بالاستِبْحار أبدًا في هذا العصر، ومعنى هذا كلِّه أنَّ النيل لم يتسبَّب في أيَّة أزمة اقتصاديَّة حقيقيَّة طوال العصر الطولوني إلاَّ في سنة 290هـ، قُبَيْل سقوط الدَّولة الطولونية بعامين فقط.



وقد دفعتْ حالة الرَّخاء التي شهدها العصر الطولوني بعض المؤرِّخين إلى الاعتقاد بأنَّ هذا العصر كان خاليًا من الأزمات الاقتصاديَّة[6]؛ إلاَّ أنَّ هذا العصر لم يكن خاليًا تمامًا من تلك الأزمات، وان كانت الشَّواهد تؤكد أنَّه كان أقلَّ عصور تاريخ مصر الإسلاميَّة تعرُّضًا للأزمات الاقتصاديَّة، فلم يشهد منها إلاَّ أقلَّها كمًّا وكيفًا، على نحوٍ يجعله يباهي بقيَّة أعصر التَّاريخ المصري الإسلامي، ويتبوَّأ بينها مكانة مرْموقة من النَّاحية الاقتصاديَّة.



وإذا أردنا أن نستعرِض تلك الأزمات الاقتصاديَّة القليلة التي شهِدها العصر الطولوني، فلن نجِدَ لها في المصادر وصفًا شافيًا، وإنَّما سنجد عنها إشارات مقتضبة، ربَّما تكون دلالتها أنَّ تلك الأزمات لم تكن من الخطورة بمكان، ولم يكن لها من المضعفات ما كان لمثيلاتِها في العصرين الإخشيدي والفاطمي.



لَم تَحدث في حياة أحْمد بن طولون أزماتٌ اقتِصاديَّة على الإطلاق إلاَّ أنَّ مرَضه الأخير أحدث اضطِرابًا في مصر؛ إذ تخوَّف النَّاس من احتمالات ما بعد وفاتِه، خصوصًا وأنَّ وليَّ عهدِه خمارويه كان لا يزال حينئذٍ صغيرَ السِّنِّ، أخضر العود، قليل التجربة، فاضطربتْ مصر لمرض ابن طولون، وخرج النَّاس قاطبة إلى الصَّحاري وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستِسقاء، فخرج النَّاس حفاة وعلى رؤوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلى رؤوسهم التَّوراة، وخرج النَّصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل، وخرج الأطْفال من المكاتب وعلى رؤوسهم الألواح، وخرج العلماء والصُّلحاء وهم يدْعون الله - تعالى - له بالعافية والشِّفاء"[7].



وعلى الرَّغم من هذا الخوف من المجْهول، فإنَّ المصادر لم تُحدِّثنا عن وقوع أزْمة اقتصاديَّة عند وفاة أحمد بن طولون، ويرجع هذا - بالدَّرجة الأولى - إلى قوَّة الاقتِصاد المصري حينذاك؛ نتيجة لتلك السياسة الاقتصادية الرشيدة التي انتهجها أحمد بن طولون في حياته، فاستطاعت البلاد أن تتخطَّى هذا التغْيير السياسي الذي حدث بوفاته في صلابة لم تتوافر لها في مناسبات أخرى مماثلة، بل وعند تغييرات أخرى سياسيَّة وإداريَّة أقلّ قيمة وخطورة.



وفي عهد خمارويه، في سنة 273 هـ، وقعت بمصر رجْفة عظيمة سقطت فيها دور كثيرة ومات خلق كثير، فاضطرب النَّاس ونتج عن اضطرابهم أزْمة اقتصادية بلغ فيها سعر مُد القمح دينارًا - على حد تقدير ابن البطريق - "فمات الناس من الجهد والجوع حتى كانوا يأكلون بذر الكتان، حتَّى امتلأت أسواق مصر موتى، وكانوا يحملونَهم على الجمال، على كل جمل ثمانية موتى، ويحفرون لهم حفرة عظيمة ويلقونهم فيها"[8].



وفي سنة 278 هـ، يذكر أبو المحاسن نقلاً عن بعض المؤرِّخين: أنَّ نيل مصر غار في هذه السنة حتَّى لم يبقَ منه شيء، فغلت الأسعار في هذه السنة بمصر وقراها[9]، ويبدو أنَّ النيل كان قد بلغ حد الوفاء في هذه السنة ثم نقصت مياهه في سرعة مفاجئة قبل أن تستوفي الأرض حاجتها من مياهه، فهذا هو معنى عبارة "غارَ حتَّى لم يبق منه شيء"، وتلك ظاهرة حدثت في بعض السنوات الأخريات.



وفي سنة 290 هـ تقاصر فيضان النيل فلم يبلغ حد الكفاية، ويبدو أنَّ الأزمة كانت قد بدأت بحدوث بعض الظَّواهر الكونيَّة التي لم يعتدْها الناس، إذ تكاثرتِ الشُّهب في الجو ممَّا أدَّى إلى تخوُّف النَّاس واضطرابِهم، وتذكَّروا رجفة سنة 273 هـ، ثمَّ تفاقم الأمر بتقاصُر النيل فلم يبلغ حدَّ الكفاية - كما ذكرنا - فظمئ النَّاس وخرجوا جميعًا للاستسقاء - مسلموهم ويهودهم ونصاراهم - لكن الماء لم يزِد وانتهى موسم الفيضان دون أدنى زيادة، فتفاقمت الأزمة الاقتصاديَّة وامتدت مضاعفاتها وآثارها إلى سنوات لاحقة، فأغلب الظَّنِّ أنَّ لهذه الأزمة الاقتصاديَّة أثرًا في سقوط الدولة الطولونية، أو على حد تعبير البغدادي: "اضطرب الناس اضطرابًا زالت به دولة الطولوني من مصر"[10].



وبما أنَّ الدولة الطولونيَّة قد سقطت في سنة 292هـ، فمعنى ذلك أنَّ أزمة 290هـ الاقتصاديَّة امتدت عواقبها الوخيمة نحو ثلاث سنوات، ساعد على ذلك اضطِراب أحوال الطولونيين السياسيَّة في أواخر أيَّامهم وتعرضهم للغزْو العبَّاسي.



وبعد سقوط الدَّولة الطولونيَّة عادت مصر للتبعيَّة المباشرة للخلافة العباسيَّة، وظلَّت على ذلك ثلاثة عقود ونيّفًا قبل أن تستعيد استِقْلالَها على يد الإخشيديِّين، وكانت هذه الفترة الانتقاليَّة بين الطولونيِّين والإخشيديين فترة قلاقل سياسيَّة، ابتدأت بثورة محمد بن على الخليجي على الحكم العباسي، وشهدت كثرة في تغْيير الولاة لم يحدث مثيلٌ لها من قبل في عصر الولاة قبل الطولونيين؛ إذ يبْدو أنَّ دولة الخلافة العباسيَّة باتت تخشى تكرار التَّجربة الاستقلاليَّة التي قام بها الطولونيون، فكانت الخلافة إذا أحسَّت ميل المصريين إلى أحد الولاة، سارعت بعزله مثلما فعلت مع أبي منصور تكين، الذي أعيد لولاية مصر أكثر من مرَّة كان يعقب كلاًّ منها العزل بمجرد انتفاء الضَّرورة من توليته، وفضلاً عن هذا، فقد تعرَّضت مصر لضغط فاطمي من جهة الغرب، فقد تطلَّع الفاطميُّون - منذ أن نجحوا في إقامة دوْلتهم في المغرب - إلى مصر ووجَّهوا إليْها عدَّة حملات كانت تثير الاضطِراب في البلاد، وإن كانت قد باءت جميعُها - في تلك الفترة - بالفشل، ولم ينجح الفاطميُّون في مسعاهم إلاَّ في نهاية العصر الإخشيدي.



وعلى ذلك؛ فقد كانت مصر في تلك الفتْرة الانتقالية تعاني اضطرابًا سياسيًّا، كان له بلا ريب صدًى في أحْوالها الاقتصاديَّة آنذاك، وأدَّى إلى حدوث بعض الأزَمات الاقتصاديَّة الَّتي لم يكن لها سبب طبيعي وإنَّما كانت نتائج عوامل بشريَّة، وكان من حُسْن طالع البلاد أنَّها لم تتعرَّض طوال تلك الفترة القلِقة من تاريخها لأي تقاصُر في فيضان النيل، وإلاَّ لأحدث أدْنى قصور في مياه النيل عواقب وخيمة في ظل تلك الظروف السياسيَّة المتردِّية، غير أنَّ هذه الفترة التي تقارب في مدَّتها كلاًّ من العصرين الطولوني والإخشيدي تكاد أن تكون خالية من الأزمة الاقتصاديَّة على ذلك النَّحو الذي تميَّز به العصر الطولوني دون غيره من أعصُر تاريخ مصر الإسلامية.



فعن هذه الفتْرة، لم تصِل إليْنا إلاَّ أنباء قليلة عن أزمات محدودة، بدأتْ بما خلَّفتْه ثورة محمد بن علي الخليجي من آثار، فقد ذكر أبو المحاسن أنَّه ترك البلاد خرابًا يبابًا على غير ما كان يقصد، إذ إنَّه ثار على العباسيِّين انتقامًا لتنكيل محمَّد بن سليمان الكاتب بآل طولون، وسخطًا على ما أحْدثه من إفساد بمصر، لكن الخليجي وقع منه أضْعاف ما أحدثه محمد بن سليمان الكاتب من إفساد[11].



وذكر ابن عذارى المراكشي أنَّه في سنة 307 هـ[12] كان بافريقيَّة وما والاها إلى مصْر طاعون شديد وغلاء سعر، وأنَّه في تلك السنة المذْكورة دخل جند الفاطميِّين الإسكندرية في غفلة من أهلها وانتهبوا أموالهم، فاضطربت البلاد لذلك وغلَت الأسعار بمصر وبالعسكر، ووقع الوباء في الناس وجلا كثير منهم[13].



ويبدو أنَّ البلاد قد تعرَّضت لأزمة اقتصاديَّة في ولاية هلال بن بدر الَّذي تولَّى على مصر نحو عامين (309 - 311 هـ)، فقد ذكر أبو المحاسن أنَّه أقام على إمْرة مصر وأحوالها مضطربة، وكثر القتْل والنهْب في النَّاس، وفشا الفساد وقطع الطريق بالدِّيار المصريَّة، فعظم ذلك على الرعيَّة وضعف هلال عن إصْلاح أحوال مصر، فصار كلَّما سد أمرًا انخرق عليه آخَر، فكانت أيَّامه على مصر شرَّ أيَّام، فلمَّا تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتدر بالله[14].



وفي سنة 317 هـ، وقع بمصر من الجراد ما لا يوصف كثرتُه حتَّى منع شعاع الشَّمس أن تقع على الأرض، فأكل الكروم وجميعَ الفواكه والنخل والأقراط، حتَّى خربت البساتين والكروم[15].



ثم بدأ العصر الإخشيدي بدخول محمد بن طغج الإخشيد الفسطاط في سنة 323هـ/ 935م، واستمرَّ حكم الإخشيدي إحدى وعشرين عامًا حتَّى سنة 344هـ/ 946م لم يتقاصر النيل في آنائِها[16]، ولم يشر أحدٌ من المؤرِّخين إلى حدوث أزمات اقتصاديَّة على عهده، إلاَّ يحيى بن سعيد الإنطاكي الذي انفرد بذكر أنَّه في سنة 329هـ حدث بمصر غلاء عظيم في هذه السَّنة، وعزَّ القمح وسائر الحبوب وعدم البتة، ولحق النَّاس شدَّة شديدة، وتبعه وباء عظيم ولم يزل إلى أن دخلت الغلَّة الجديدة[17].



ويبدو أنَّ هذا الغلاء كان نتيجة تلاعُب في الأسعار، فلم تشر تقويمات النِّيل إلى حدوث قصور في الفيضان، كما أنَّ هذا الغلاء انتهى بدخول الغلَّة الجديدة، وكانت العادة في الأزمات الحقيقيَّة التي تحدث عن قصور النيل أن يمتدَّ أثرها إلى العام اللاحق، وربَّما كان هذا الغلاء الَّذي حدث في مصر امتدادًا لموجة غلاء عامَّة اجتاحت عددًا من الأمصار الإسلامية في ذلك العام، فقد ذكر الإنطاكي نفسه أنَّه حدث أيضًا ببغداد في ذلك العام غلاء شديد، وأكَل النَّاس بها النخالة والحشيش وكثر الموت[18].



وفي عهد أبي القاسم أنوجور بن الإخشيد بدأت الأحْوال الاقتصاديَّة في التدهْور، فوقع غلاء في أوَّل سنة 328 هـ، فثارت الرعيَّة حتَّى إنَّهم منعوا أنوجور من صلاة العتمة (العشاء الآخرة) في الجامع العتيق[19]، ثم وقع آخر في عهد أنوجور في سنة 341 هـ كان سببه في البداية كثرة الفار في أعمال مصر، فأتْلف الغلات والكروم وغيرها[20] ثمَّ تفاقم الأمر بسبب قصور النيل فنزع السعر في شهر رمضان، واستمرَّ الغلاء وتعاظَم أمره في سنة 343 هـ حتَّى بيع القمح كل ويبتين ونصف بدينار ثم طُلِب فلم يوجد، وثارت الرعيَّة وكسروا منبر الجامع العتيق بالفسطاط[21]، ويبدو أنَّ السبب في تعاظم الغلاء هو حدوث حريق كبير بالفسطاط في سوق البزَّازين وقيسارية العسل، استمرَّ وقتًا طويلاً حتَّى نودي: أنَّ من يأتي بقربة ماء له عليْها درهم، وقيل: إنَّ مبلغ ما صُرِف يومئذٍ عشرة آلاف درهم، وإنَّ جملة ما احترق غير البضائع والأقمشة ألف وسبعمائة دار[22]، وقد روى ابن عذارى ما يؤكد خبر الحريق[23]؛ إذ قال في حديثه عن سنة 343 هـ: إنَّ الحجاج قدموا، فذكروا أنَّه وقع بفسطاط مصر حريق عظيم؛ لكنَّه بالغ في عدد الدور التي احترقت، ووصل بعددِها إلى ستَّة عشر ألفًا، وأغلب الظَّنِّ أنَّ تلك المبالغة جاءت من قبيل المزيدة حينما تتناقل الألسنة خبرًا من الأخبار.



ويبدو أنَّ أزمة اقتصاديَّة محدودة حدثت في سنة 347، إذ يذكر أبو المحاسن أنَّه جاء جراد طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار[24]، ويحدث عادة في مثل هذه الحالة قلَّة في العرض عن الطلب فتغلو الأسعار، ثم يذكر أبو المحاسن أيضًا: أنَّه في عهد علي بن الإخشيد، في سنة 349 هـ "وقع بمصر الغلاء واضطربت أمور الديار المصرية والإسكندريَّة بسبب المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميِّين الواردين إليْها من المغرب، وتزايد الغلاء وعزَّ وجود القمح"[25].



وذكر ابن إياس عن غلاء ذلك العام نفسه، لكن يبدو أنَّ الأمر اختلط عليه إذ يقول: "أمَّا أبو القاسم علي، فإنَّه تولى على مصر في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وفي أيَّامه وقع الغلاء بمصر واستمرَّ تسع سنين متوالية؛ وسبب ذلك أنَّ النيل كان ينتهي في زيادته إلى خمسة عشر ذراعًا وأربعة عشر أصبعًا، واستمرَّ في كل سنة يزيد هذه الزيادة الخسيسة إلى سنة تِسْع وأربعين وثلاثمائة، فوقع الغلاء بسبب ذلك في هذه السنين"[26].



يتَّضح في عبارة ابن إيَّاس أنَّه يخلط خلطًا شديدًا بين بضعة أمور، فهو يذكر أبا القاسم "علي" وهذا خطأ؛ إذ إنَّه يقصد بطبيعة الحال أبا القاسم أنوجور؛ لأنَّه ذكر تاريخًا أقرب لسنة تولِّيه الإمارة، فضلاً عن أنَّ عليَّ بن الإخشيد كان يلقَّب أبا الحسن وليس أبا القاسم، وربَّما جاء الخلط من أنَّ سنة 349 هـ التي ذكرها ابن إيَّاس نهاية للغلاء كانت هي سنة وفاة أبي القاسم أنوجور، وتولِّي أبي الحسن علي من بعده.



واختلط على ابن إيَّاس حينما حدَّد مدة الغلاء بتسع سنين، وذلك أمر لم يَحدث في تلك الفترة على الإطلاق، وإنَّما حدث بعد ذلك ببضع سنوات في أواخر الدولة الإخشيديَّة، وعلى وجه التَّحديد منذ سنة 352 هـ على حدِّ رواية المقريزي[27].



كانت تلك الأزْمة الاقتصاديَّة التي بدأت في سنة 352 هـ أطْول وأخطر أزمة اقتصاديَّة في الدولة الإخشيديَّة على الإطلاق، كان السَّبب الرئيس في حدوثها قصور النِّيل، واستمرَّت تسع سنوات متتابعة بل إنَّها كانت تتفاقم من سنة لأخرى، وأهم نصٍّ ورد إليْنا عن هذه الأزمة الخطيرة ضمَّنه المقريزي كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" وفيه يقول: "ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية أيضًا واستمرَّ تسع سنين متتابعة[28]، وابتداء في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة، والأمير إذ ذاك علي بن الإخشيد، وتدبير الأمور إلى الأستاذ أبي المسك كافور الإخشيدي، وكان سبب الغلاء أنَّ ماء النيل انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعًا وأربع أصابع فنزع السعر بعد رخص، فما كان بدينار واحد صار بثلاثة دنانير، وعزَّ الخبز فلم يوجد، وزاد الغلاء حتَّى بلغ القمح كل ويبتين بدينار، وقصر مد النيل في سنة ثلاث وخَمسين، فلم يبلغ سوى خمسة عشر ذراعًا وأربعة أصابع، واضطرب فزاد مرَّة ونقص أخرى حتَّى صار في النصف من شهر بابَه إلى قريب من ثلاثةَ عشر ذراعًا، ثم زاد قليلاً وانحطَّ سريعًا، فعظم الغلاء وانتقضت الأعمال لكثرة الفتَن، ونهبت الضياع والغلاَّت، وماج النَّاس في مصر بسبب السِّعْر، فدخلوا الجامع العتيق بالفسطاط في يوم جُمعة وازْدَحموا عند المحراب، فمات رجل وامرأة في الزحام ولم تصلَّ الجمعة يومئذ، وتمادى الغلاء إلى سنة ... .... ... ... أرْبع عشرة ذراعًا وأصابع.



وفي سنة خمس وخمسين، كان مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعًا وأصابع، وقصر مدُّه وقلَّت جريته، وفي سنة ست وخَمسين لم يبلغ النِّيل سوى اثنَي عشر ذراعًا وأصابع، ولم يقَع مثل ذلك في الملة الإسلاميَّة، وكان على إمرة مصر حينئذٍ الأستاذ كافور الإخشيدي، فعظم الأمر من شدَّة الغلاء.



ثم مات كافور فكثُر الاضطراب وتعدَّدت الفتن، وكانت حروب كثيرة بين الجنْد والأمراء قتل فيها خلق كثير، وانتهبت أسواق البلد وأُحْرقت مواضع عديدة، فاشتدَّ خوف النَّاس وضاعت أموالُهم، وتغيَّرت نيَّاتُهم وارتفع السِّعر وتعذَّر وجود الأقوات، حتَّى بيع القمح كل ويبة بدينار، واختلف العسكر، فلحق الكثير منهم بالحسن بن عبدالله بن طغج وهو يومئذ بالرَّملة، وكاتبَ الكثير منهم المعزَّ لدين الله الفاطمي، وعظم الإرْجاف بمسير القرامطة إلى مصر، وتواترتِ الأخبار بمجيء عساكر المعزِّ من المغرب، إلى أن دخلتْ سنة ثَمانٍ وخمسين وثلاثمائة، ودخل القائِد جوهر بعساكِر الإمام المعز لدين الله، وبنى القاهرة المعزِّية وكان ممَّا نظر فيه أمر الأسْعار، فضرب جماعة من الطحَّانين وطيف بهم، وجمع سماسرة الغلات بمكان واحد، وتقدَّم ألا تُباع الغلاَّت إلاَّ هناك فقط، ولم يجعل لمكان البيع غير طريق واحد، فكان لا يخرج قدح قمح إلاَّ ويقف عليه سليمان بن عزة المحتسب، واستمرَّ الغلاء إلى سنة ستِّين، فاشتدَّ فيها الوباء وفشت الأمراض وكثر الموت، حتى عجز النَّاس عن تكْفين الأموات ودفْنهم، فكان من مات يُطْرَح في النيل، فلمَّا دخلت سنة إحدى وستين انحلَّ السِّعْر فيها، وأخصبت الأرْض وحصل الرَّخاء"[29].



يُمكننا أن نستخلص من نصِّ المقريزي - في ضوء بعض المصادر الأُخرى - عدَّة حقائق؛ منها:

1- بدأت الأزمة الاقتِصادية سنة 352 هـ بسبب قصور النيل الذي لم يتجاوز خمسة عشر ذراعًا وأربعة أصابع، ومع أنَّ النِّيل لَم يصِل بهذا إلى حدِّ الوفاء الذي نعتقد أنَّه تزايد حينذاك إلى سبعة عشر ذراعًا، وتزايد بالتبعية حدّ الكفاية إلى خمسة عشر ذراعًا[30]، فإنَّ النيل في هذه السنة يكون قد تجاوز حدَّ الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد بأربعة أصابع، وهذا يعني أنَّ الأزمة لم تكن مستحْكمة إلاَّ أنَّ السعر ارتفع في سرعة - أو نزع على حد قول المقريزي - ووصل إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه، ولم يقف الغلاء عند ذلك الحد؛ بل تزايد حتَّى اختفى الخبز ووصل سعر القمح ثلاثة دنانير للأردب إذ بيع كل ويبتين بدينار، ويبدو أنَّ تزايد حدَّة الأزمة على ذلك النَّحو كان بسبب اضطراب أحوال الإخشيديِّين السياسية، وتعرُّضهم لضغوط خارجيَّة من الشَّرق ومن المغرب، يذكر أبو المحاسن: "قدم القرمطي إلى الشَّام في سنة 352 هـ، ووقع له بِها أمور وعجَز المصريُّون عن دفعه عنها؛ لشغلهم بالغلاء والمغاربة والفاطميين"[31].



2- استمرَّت الأزمة في سنة 353 هـ، إذ لم يزِد النيل فيها عن سابقتها، بل إنَّه كان فيها أكثر اضطرابًا ونقص في سرعة، حتى إنَّه صار في النِّصف من شهر بابه إلى قريب من ثلاثة عشر ذراعًا، على غير ما يكون عليه الحال في سنوات وفاء النيل وانتظامه، ففي السَّنوات التي يحسن فيها الفيضان يكون كمال زيادتِه في الثَّامن من بابه، ولا يأخذ في النقص إلاَّ في العشرين منه[32]، ويحدث التناقص تدريجيًّا فتستوفي الأرض حاجاتِها من المياه؛ إلاَّ أنَّ اضطراب النيل وانحِطاطه السَّريع في تلك السنة حال دون استِيفاء الأرض لاحتياجاتِها من المياه، فاشتدَّت الأزمة "وارتفعت الأسعار أكثرَ ممَّا كانت عليه، ووهنت ضياع مصر وقُراها، وعظم الغلاء وكثرت الفتن"[33]، وتعطَّلت الأعمال وتجمهر الناس، وتدافعوا حتَّى دخلوا الجامع العتيق رجالاً ونساء، ووطئت الأقدام بعضَهم من شدَّة الزحام وتعطَّلت صلاة الجمعة.


3- تمادى الغلاء إلى سنتي 354 - 355 هـ، اللَّتين لم يصلِ النِّيل فيهما إلى حدِّ الكفاية، ناهيك عن حد الوفاء، وزاد في سوء الأوْضاع تعرُّض الصَّعيد لهجمات النَّوبة، التي وصلتْ حتَّى أخميم، قبليّها وبحريها من ناحية، ومن ناحية أخرى فساد ما بين أبي الحسن علي بن الإخشيد صاحب مصر وبين كافور الإخشيدي مدبِّر مملكتِه، حتَّى منع كافور النَّاس من الاجتماع به، ولم يحسم الخلاف إلاَّ وفاة أبي الحسن علي معتلاًّ في سنة 355 هـ، فانفرد كافور بحكم مصر[34].



4- ازدادت الأحْوال سوءًا في سنة 356 هـ التي لم يبلغ فيضان النيل فيها سوى اثني عشر ذراعًا وتسعة عشر أصبعًا، وهي في رأْي المقريزي أقلُّ زيادة للنِّيل طيلة تاريخ مصر الإسلاميَّة[35].



5- يبدو أنَّ وجود كافور في الحكم كان يخفِّف بعض الشيء من حدَّة الأزمة، فلمَّا مات كافور في سنة 357 هـ وتولى بعده أبو الفوارس أحمد بن علي الإخشيد، الَّذي كان طفلاً في الحادية عشرة من عمره، اضطربتْ أحْوال البلاد اضطرابًا شديدًا، فكثرت الفِتَن والحروب التي راح ضحيَّتها خلق كثير، وانتهبت الأسواق وأشعلت الحرائق، وتضاعف السعر حتى بيع أردب القمح بستَّة دنانير، وأفرط الغلاء حتَّى أطلق عليه ابن سعيد الأندلُسي الغلاء العظيم[36]، وأكل الناس الجيف والكلاب[37] وكانوا يسقطون موتى من الجوع، واقترن بذلك وباء عظيم كانت بوادره قد بدأت منذ سنة 533 هـ فكثر الموْت، "ولم يلحق دفنهم وكان يحفر لهم حفر ويرمى فيها عدَّة كثيرة، ويرْدَم عليها التراب من غير صلاة ولا غسل ولا كفن، ولم يزل أمرهم على تلك الصورة إلى سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وبعد ذلك انحلت الأسعار ولم تزل تنتقص إلى أن عادت إلى المعهود"[38].



6- أدَّت هذه الأزْمة الاقتصاديَّة المتَّصلة لعدة سنوات إلى سقوط الدولة الإخشيدية، فقد انتهى الأمر بانقِسام الجيش الإخشيدي على نفسه، فلحق بعضُه بالحسن بن عبيدالله بن طغج بالرملة، وكاتب البعض الآخر وجماعة من وجوه أهل البلد المعز لدين الله الفاطمي صاحب المغْرب، يدعونه إلى إنْفاذ جيشه إلى مصر ليتسلَّمها بغير حرب ولا قتال[39].



7- عاد النيل إلى الوفاء منذ سنة 358 هـ، فبلغ النيل سبعة عشر ذراعًا وتسعة عشر أصبعًا[40]، ورغْم ذلك استمرَّت الأزمة لصعوبة إزالة آثارها بين عشيَّة وضحاها من ناحية، ومن ناحية أُخرى لما واكب دخول جوْهر الصقلي مصر من اضطِرابات وتغَيُّرات سياسيَّة؛ ولذلك استمرَّ الغلاء بعد دخول جوهر مصر، وإن كان يُلاحَظ تحسُّن نسبي يظهر في سعر القمح؛ إذ بيع كل تسعة أقداح بدينار[41].



وخلاصة القول:

أنَّ العصر الإخشيدي فاق فيما شهِدَه من أزمات اقتصاديَّة كافَّة عصور تاريخ مصر الإسلاميَّة التي سبقتْه، منذ أن فتح عمرو بن العاص مصر 21 هـ/ 641م، وحتَّى دخول محمد بن طغج الفسطاط 323هـ/ 935م، ويبدو أنَّ هذه الأزمات التي ابتلي بها العصر الإخشيدي كانت إرْهاصة بما ستعانيه مصر من مثيلاتها في العصر الفاط
م
ي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aljanat.alafdal.net
 
الأزمات الاقتصادية والأوبئة في مصر الإسلامية 5
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الجنة :: منتديات العامة :: القسم العام-
انتقل الى: