منتديات الجنة

الجديد و المفيد على منتديات الجنة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  كان أجود الناس

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المدير العام
المدير العام
avatar

الاوسمة :



الهواية : الرياضة
المهنة : طالب
البلد : المغرب
عدد المساهمات : 348
التقييم : 0

مُساهمةموضوع: كان أجود الناس    الأربعاء أغسطس 31, 2011 9:59 am


كان أجود الناس
للشيخ / خالد بن عثمان السبت


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحديثنا عن موضوعٍ شريفٍ كريمٍ من الصفات التي تحلى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو حليةٌ لأهل الإيمان، حديثنا في هذه الليلة عن موضوع الجود.
ولما كان في هذه الليلة قُرب رمضان، ونحن نتطلع لاستقباله، فإن الحديث عن الجود يحسن في هذا الوقت أكثر مما يحسن في غيره، وذلك أن الجود له تعلقٌ بهذا الشهر أكثر من تعلقه في غيره من الأوقات.
وحديثنا عن الجود سيكون عن أمورٍ عدة:
أولها: عن حقيقة الجود.
وثانيها: عن الفرق بينه وبين الإسراف.
والثالث: عن وجه الشبه بين جود النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين الريح المرسلة.
والرابع: هو حديثٌ عن مراتب الجود.
والخامس: نتحدث فيه عن أنواع الجود.
وأما السادس: فهو بيانُ الطريق الموصلة إلى هذه الخصلة الكريمة.
وأما السابع: فهو عن آثار الجود.
أما حقيقة الجود:
فهو التسمح بكثرة العطاء، وبذل المقتنيات علماً كانت أو مالاً أو غير ذلك من المنافع، وحقيقته: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو صفةٌ يستفاد بها الخير والنفع للغير من غير عوض، والجواد هو الذي يعطي بلا مسألة صيانةً للآخذ من ذل السؤال، وقد قيل:
وما الجود من يعطي إذا ما سألته***ولكن من يعطي بغير سؤالِ
وسأل معاوية -رضي الله تعالى عنه- صعصعة بن صوحان ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطية قبل السؤال.
وقد بين حقيقته الحسن البصري -رحمه الله- فقال: هو بذل المجهود في بذل الموجود، وهذا منتهى الجود.
والكرم إن كان بمالٍ فهو جود، وإن كان بكفِّ ضررٍ مع القدرة فهو عفو، وإن كان ببذلِ النفس فهو شجاعة.
وأما ثانياً: فالفرق بين الجود والإسراف:
والقول في ذلك القول في التفريق بينهما هو: أن الجود هو بذل النفع من المال وغيره للخلق، وأما الإسراف فهو إضاعة المال فيما حرم الله -عز وجل- ولو كان ذلك المدفوع أو المبذول قليلاً، وهكذا أيضاً: هو إضاعته وصرفه في غير وجه حقٍ شرعي.
وأما ثالثاً: فهو وجه الشبه بين جود النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين الريح المرسلة:
نحن نعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أجود الناس، وقد قالت له خديجة -رضي الله تعالى عنها- لما جاء مذعوراً حينما رأى الملك عند أول وهلةٍ نزل عليه بها، فقالت: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق"، يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلقاً على قولها -رضي الله تعالى عنها-: "وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدل وإما بالمال، وإما على من يستقل بأمره، أو من لا يستقل، وذلك كله مجموعٍ فيما وصفته به، فهي تقول: "إنك لتصل الرحم -فهذا إعطاء للقريب- وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف"، فهو يحسن بالمال ويحسن بغير المال ببدنه وبغير ذلك من المنافع.
يعطي لمن يستقلون بأمرهم ويستطيعون القيام بشؤونهم، ويعطي أيضاً من قعدوا وعجزوا عن القيام بشؤونهم ومصالحهم، وجاء في رواية عند أحمد في صفةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، وجاء في الصحيح من حديث جابر -رضي الله عنه-: "ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً فقال: لا"
ما قال: (لا) قط إلا في تشهده***لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ
-عليه الصلاة والسلام-، فهذا البيت وإن قيل في غيره، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أحقُ الناس بهذه الصفة.
وعن جبير بن مطعم -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "بينما أنا أسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه الناس نقفله من حنين، فعلقت الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((أعطوني ردائي، لو كان عدد هذه العضات نَعَمَاً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)).
وجاء في الصحيح من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس، وأجود الناس"، وجاء من حديث ابن عباس وهو محل الشاهد: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة".
يقول الحافظ معلقاً على هذا الحديث عند قوله: "فيدارسه القرآن" يقول: "قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس"، والغنى سبب الجود، وهو أعم من الصدقة، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذُكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود.
والريح المرسلة: هي الريح المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه، فينزل الغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعمُّ خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئ عن الريح المرسلة، هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان نفعه وخيره عميماً.
وقد قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -وكان من أجواد الناس- لما سمع قول الشاعر:
إن الصنيعة لا تعد صنيعةً***حتى يصار بها طريق المصنعِ
يعني أن العطاء إن لم يكن إلى من يستحق العطاء فإنه لا يعد من صنائع المعروف، فقال: "أراد هذا أن يبخل الناس" فعبد الله بن جعفر يريد أن العطاء يبذل للناس فيقع في أيديهم، فإن كان محتاجاً فيكفى الحاجة، وإن كان غير محتاج فـ((في كل كبدٍ رطبة أجر))(1).
وأما رابعاً: فبيان مراتب الجود:
الجود ليس على مرتبةٍ واحدة، بل هو على مراتب كغيره من أمور الكمالات، كالإيمان والإحسان والصبر والتوكل وما إلى ذلك، فهذه الخصال ليست على مرتبةٍ واحدة، وإنما هي على مراتب متفاوتة، فأعلى مراتب الجود أن يُعطى قبل السؤال مع ملاحظة المعطي لمنةِ الله -عز وجل- عليه وإحسانه وتوفيقه إياه للبذل، وأنه منع غيره من هذا الخير، كما أنه منع غيره من هذا الإفضال والإحسان والإعطاء والجود، فهذه ينبغي أن تقوم في قلب العبد مع سروره بهذا العطاء وفرحه به إضافةً إلى كونه لا يحرج هذا السائل وهذا المحتاج.
ترى البخل مرَّاً والعطاء كأنما***تلذُّ به عذباً من الماء بارداً
يقول جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه-: "صحبتُ طلحة فما رأيت أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألة منه"، ويقول يوسف بن أسباط: "إذا أوليتك معروفاً كنت أسر به منك"، فهذا يعطي وهو أفرح بإعطائه من هذا المعطى لهذا العطاء، فهذا هو الجود والإفضال الكامل.
تعود بسط الكف حتى لو أنه*** ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللاً***كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه***لجاد بها فليتقِ الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته***فلجته المعروفُ والجود ساحله
جاء رجلٌ إلى صاحب له فدق عليه بابه فقال: ما جاء بك في هذه الساعة؟ فقال: عليّ أربعمائة درهم هي دينٌ، فوزن له الأربعمائة وأخرجها إليه، ودخل بيته يبكي، فرأته امرأته فقالت: لمَ أعطيته إذ شق عليك العطاء؟ ظنت أنه يبكي متحسراً لأنه دفع إليه هذه الأربعمائة، فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي، أبكي لأني اضطررته إلى أن يسأل.
ويقول عبد العزيز بن مروان، وهو والد الخليفة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يقول: إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع معروفي عنده، فيده عندي أعظم من يدي عنده، وأنشد لابن عباس -رضي الله عنهما- هذه الأبيات.
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى***وأعمل فكر الليل والليلُ عاكرُ
وذاكرني في حاجة لم يكن لها***سواي ولا من نكبة الدهر ناصرُ
فرجت بمالي همه عن خناقه***وزاوله الهم الطروق المساورُ
وكان له فضلٌ علي بظنه***بي الخير أن للذي ظن شاكرُ
يقول: أنا أشكره على حسن ظنه بي، وعلى أنه جاء فتسبب لي أن أحسن إليه، وأن أتصدق عليه.
وهذا سعيد بن العاص يوصي ابنه يقول: يا بني أخزى الله المعروف إذ لم يكن ابتداءً من مسألة، فإما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك خاطراً لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته بذلك.
يقول: إذا جاءك الرجل ووجهه يتمعر لا يدري هل يُهان أو يعطى؟ هل يصرف أو يبذل له؟ واضطررته إلى المسألة فهذا لو أعطيته كل ما تملك فإنك لا يمكن أن تكون مكافئاً له.
وكان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العُبّاد وهم سجود، فيأتيهم بالصرة -يأتي إلى الرجل العباد الفقير بصرة المال- فيضع هذه الصرة عند نعليه وهو يصلي، ونعلاه بجانبه، ثم ينصرف، فسئل عن ذلك لماذا تفعل ذلك؟ لماذا لا ترسل بها إليهم؟ فقال: أكره أن يتعمر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي أو لقيني.
وأما علي بن الحسين زين العابدين فكان يحمل الجراب على ظهره بالليل، وما يترك أحداً من خادمٍ أو غيره ليعينه على هذا الحمل، فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب -عز وجل-، ولما مات وجد آثارٌ في ظهره عند تغسيله من سواد في جلده، فكان ذلك من أثر حمل هذه الأمور الثقيلة التي كان يوصلها إلى الفقراء، فما كان يوصلها إليهم بطرق أبوابهم لينظروا إلى وجهه، وينظر إلى وجوههم؛ لأنه لا يريد أن يحرجهم بذلك، كما أنه أيضاً لا يريد أن يُعرف أنه الذي تصدق بهذه الصدقة.
هذه أعلى مراتب الجود أن تبذل الخير والمال والنفع، ولا يدرى من أين جاء؟ ولا تُحْوج هذا الإنسان المحتاج إلى أن يأتي إليك ويتذلل إليك ويذهب ماء وجهه.
وأما المرتبة الثانية: فهي أن تعطي السائل لكن من غير مَنٍ ولا أذى، إذا سألك أعطيته بالمعروف، كما قال الله -عز وجل-: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [(262) سورة البقرة] ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} [(264) سورة البقرة].
وأما أسوأ المراتب وأحط المراتب وليس ذلك من الجود البتة، فهو الذي يعطي الناس ثم بعد ذلك يشغلهم بهذا العطاء الذي أعطاهم، فيذكرهم به تصريحاً أو تلميحاً، ويمتن عليهم، ولربما أساء الأدب والخلق معهم في حال العطاء، وأغلظ عليهم أو قطب في وجوههم فرأوا الكراهة في وجهه، فهذا السائل لا يحتاج إلى أن ينهر؛ لأن مذلة المسألة تكفيه، والله -عز وجل- يقول: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [(10) سورة الضحى] فإن هذا السائل يأتي بذلِّ المسألة، فإذا زدته على ذلك بأن زجرته فإن ذلك يكون ذلاً مضاعفاً واقعاً عليه.
وأما خامساً: فأنواع الجود:
وهي أنواعٌ كثيرة، كثيرٌ من الناس يظنون أن الجود إنما هو بالمال، ولا شك أن الجود بالمال هو من أنفع أنواع الجود ومن أشهرها، ولكن الجود أوسع من ذلك وأعم.
فأول أنواع الجود الجود بالنفس، وهو أعظم أنواع الجود:
يجود بالنفس إذ ظن البخيل بها*** والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمنى أن يقتل في سبيل الله، ثم يحيا ثم يقتل ثم يحيا ثم يقتل، ويقول عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله تعالى عنه- حينما غلي له الزيت عند ملك الروم، وطالبوه بأن يرتد عن دينه، فلما رأى الزيت المغلي بكى، فظنوا أنه رقَّ، وأنه هاب الموت، فقال: وددتُ أن لي مائة نفس، أي أنه يبذل هذه النفوس في سبيل الله -عز وجل-.
وأفضل الشهداء كما هو معلوم حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى ذي سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله.
ونحن نعلم أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في ليلة الهجرة عمد إلى فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- فبات فيه، وهذه لا شك أنها تضحية بالنفس؛ لأن هؤلاء قد اجتمعوا على بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدون قتله، فلربما اقتحموه في أي ساعة في تلك الليلة، وهم لا يشكون أن الذي بات في فراشه أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه.
وهكذا وقع لبعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد لما هزم المسلمون وكسروا في أرض المعركة، فجاء الواحد منهم يحمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجسده، وقد أصيب بعضهم بسهمٍ في كفه فشلت، وكان يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يتطاول للنظر عند الرمي مخافة أن يصيبه شيءٌ من العدو، ويقول له: "نحري دون نحرك يا رسول الله".
وترس أبو دجانة -رضي الله تعالى عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، فكان النبل يقع في ظهره وهو منحنٍ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كثر النبل فيه.
ومن الجود بالنفس ما فعله أحمد بن نصر الخزاعي الإمام الكبير الشهير المعروف، وذلك في قصته مع الواثق في قضية محنة القول بخلق القرآن، فلما سأله الواثق عن ذلك؟ قال له: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له: ما تقول في الرؤية؟ قال: يراه المؤمنون بأبصارهم يوم القيامة، ودعا الواثق بالصمصامة وقام وقال: أحتسب خطاي إلى هذا الكافر فضرب عنقه بعد أن مدوا له رأسه بحبل وهو مقيد، ونصب رأسه بالجانب الشرقي من بغداد، وتتبع أصحابه فسجنوا، وبقي الرأس منصوباً بسامراء معزولاً عن الجسد الذي كان في ناحية أخرى بقي ست سنين، إلى أن أُنزل بعد ذلك، قال عنه الإمام أحمد -رحمه الله-: "رحمه الله لقد جاد بنفسه".
وهكذا ما فعله سعيد بن جبير -رضي الله تعالى عنه- في قصته الشهيرة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهكذا ما فعله الإمام أحمد حينما ثبت ذلك الثبات العظيم أمام المأمون والمعتصم والواثق، كلُّ ذلك يحاولونه أن يقول قولاً له فيه مخرج، وكان يأبى، وصارم في ذلك أشد المصارمة حتى صار بعده بحقٍ هو إمام أهل السنة والجماعة.
ومما يُذكر أيضاً وهو من عجيب ما يُذكر في بذل النفس والجود بها، ما ذكر في أخبار مصر في بعض القرون السالفة أنه لما احترق أحد المساجد فيها، ظن المسلمون أن النصارى هم الذين أحرقوه، فعمدوا إلى خانٍ للنصارى فأحرقوه، فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخان، وكتب رقاعاً فيها القتل، وفيها القطع، وفيها الجلد، ثم لم يبين شيئاً منها لهؤلاء الناس، وأمر كل واحدٍ أن يأخذ رقعةً من هذه الرقاع، فوقعت رقعةٌ بها القتل في يد رجل، فقال: والله ما أبالي بالقتل لولا أمٍ لي، وكان بجانبه بعض الفتيان فقال: في رقعة الجلد وليس لي أم فادفع إلي رقعتك، وخذ رقعتي، فتبادلا فقُتل ذاك وجُلد هذا، وهذا من أعجب ما يكون من بذل النفوس.
وأما الجود بالمال فحديثٌ ذو شجون، وأخبار الأجواد في ذلك كثيرة، وقد تواترت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه والله -عز وجل- يقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [(245) سورة البقرة] ويقول مرغباً فيه: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} [(261) سورة البقرة] وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعمق هذا المفهوم في نفوس أصحابه عملياً، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك.
وقد سألهم مرةً عن أحب المالين إلى الإنسان هل هو المال الذي بيده أو مال وارثه؟ ثم أوضح لهم أنه ليس للإنسان إلا ما أنفق وقدم.
وقال عن الشاة كما في الحديث المعروف في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "بقيت إلا كتفها" حيث أنهم تصدقوا بها جميعاً كما سيأتي وأبقوا الكتف، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((بقي كلها غير كتفها))(2).
وفي الحديث المشهور: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً))(3) وهي خصلة كريمة كانت موجودة في العرب قبل الإسلام، وأكدها الإسلام، واستمر المؤمنون عليها.
وكان بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- يقول: "إني لأستحي من الله -عز وجل- أن أساله الجنة لأخٍ من إخواني، وأقول له: إني أحبك في الله، ثم أمنعه شيئاً من الدنيا"، وكان بعضهم لربما اغتمَّ من طروء المال عليه حتى يفرقه كما سيأتي.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجهز لغزوة تبوك، فخرج واثلة بن الأسقع -رضي الله تعالى عنه- ولم يكن معه شيءٌ يحمله إلى تبوك، فخرج إلى سوق بني قينقاع، فقال: من يحملني وله سهمي، يعني من الغنيمة، يقول: فدعاني كعب بن عجرة فقال: أنا أحملك عقبةً بالليل وعقبة بالنهار، يعني لك مرة ولي مرة، ويدك أسوة يدي، وسهمك لي، قال واثلة: نعم قبلت، قال واثلة: جزاه الله خيراً لقد كان يحملني ويزيدني وآكل معه ويدفع لي، حتى إذا بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد إلى أكيبر بن عبد الملك بدومة الجندل خرج كعبٌ في جيش خالد وخرجتُ معه، فأصبنا فيئاً كثيراً فقسمه خالد بيننا، فأصابني ست قلائص، يعني من النوق، من الإبل، يقول: فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن حجرة -رضي الله تعالى عنه-، فقلتُ: اخرج -رحمك الله- فانظر إلى قلائصك فاقبضها، فخرج وهو يتبسم ويقول: بارك الله لك فيها، ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئاً.
وكان أهل المدينة عيالاً على عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-، وهو من أغنياء الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، فكان يقرض ثلثاً، ويقضي ديون الثلث، ويصل بالعطية ثلثاً آخر.
وكان للزبير بن العوام -رضي الله عنه- ألف مملوك، يؤدون إليه الخراج فكان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء.
وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً يدعو إلى الصدقة يقول: فوافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، يقول: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- بكل ما عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أسابقك إلى شيء أبداًَ.
وأما ابن عمر فله أخبار عجيبة مع الجود، باعَ أرضاً له بمائتي ناقة في مكة، فحمل بمائة منها في سبيل الله -عز وجل-، واشترط على أصحابها أن لا يبيعوا شيئاً منها حتى يجاوزوا وادي القرى.
وأتي في مجلسٍ ببضعةٍ وعشرين ألف دينار، فما قام حتى فرقها، وكان يفرق في المجلس الواحد ثلاثين ألفاً من الدنانير، ثم يأتي عليه شهرٌ كامل ما يأكل فيه مزعةَ لحم.
وبعث معاوية -رضي الله تعالى عنه- إليه مرةً بمائة ألف وهو مالٌ كثيرٌ جداً، فما حال عليه الحول وعنده منه شيء.
وخرج عبد الله بن دينار إلى ابن عمر إلى مكة، يقول: فعرسنا في الطريق، فانحدر علينا راعي غنم من جبل، فقال له ابن عمر: أراعٍ أنت؟ فقال: نعم، فقال: بعنا شاةً، فقال: إني مملوك، قال: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال: فأين الله؟ قال ابن عمر: فأين الله؟ ثم بكى، ثم بعد ذلك اشتراه بعد ذلك واشترى الغنم، فأعتقه فوهبها له.
وكاتب غلاماً له بأربعين ألفاً، فخرج هذا الرقيق ليبحث عن كسبٍ ليوفي لابن عمر السداد، ليوفي له هذا المال ليكون حراً بعد ذلك، فخرج إلى الكوفة فكان يعمل على حُمرٍ له، يكري الحمير، حتى أدى خمسة عشر ألفاً من الأربعين، فجاءه رجلٌ فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا في الكوفة تعذب نفسك وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً ثم يعتقهم، ارجع إليه فقل عجزت عن الأداء ، فجاء الرجل إليه بصحيفته، فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت وهذه صحيفتي فامحها، فقال: لا؟ ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها ففاضت عينا عبد الله بن عمر بالدموع، وقال: اذهب فأنت حرٌ لله، فقال: أصلحك الله أحسن إلى ابني -له ابنان- أحسن إلى ابني -يعني بالعتق- قال: هما حران، قال: أصلحك الله أحسن إلى أمي ولدي، قال: هما حرتان.
ويقول -رضي الله تعالى عنه- مبيناً لهذا الدافع الذي دفعه إلى هذا البذل الكثير، يقول: خطرت هذه الآية ببالي: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [(92) سورة آل عمران] يقول: ففكرت فيما أعطاني الله -عز وجل-، فما وجدت شيئاً أحب إليَّ من جاريتي رُميثة، فقلت: هي حرةٌ لوجه الله.
وكان -رضي الله تعالى عنه- إذا أعجب بشيء من ماله إعجاباً شديداً قربه لله -عز وجل-.
ركب عشية على بعير وكان من خيار الإبل فأعجبه، لما أعجبه وقف في مكانه ثم نزل منه وقال لمولاه نافع: سيره مع البدن، يعني قدمه للبيت مع البدن التي تنحر تقرباً إلى الله -عز وجل-، قال: يا نافع انزعوا زمامه ورحله، وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البدن.
وهذا معنىً ينبغي للمؤمن أن يقف عنده، هل سألت نفسك، أو هل حاسبت نفسك، أو هل نظرت في حالك فيما تنفق في سبيل الله -عز وجل-، هل فكرت في هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [(92) سورة آل عمران] هل تأملتها ثم أخرجت في يومٍ واحد من دهرك شيئاً يعجبك وتحبه من هذا المال؟ هل فعلت ذلك قط؟ إن كنت لم تفعل فلتفعل؛ لأننا نرجو ما يرجون، ونؤمل ما يؤملون، ونخاف ما يخافون.
قيل للحسن بن علي -رضي الله تعالى عنه-: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقاً، لا يستكثرون العطاء وإن كان كثيراً، ولهذا كان الحسن -رضي الله تعالى عنه- يعطي الرجل الواحد مائة ألف دينار.
وكان سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة من فقراء المهاجرين بمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يرجع بثمانين في كل ليلة إلى أهله يشبعهم من الطعام والشراب.
وكان ابنه قيس جواداً كريماً له عجائب وغرائب في الكرم والجود، كان يطعم الناس في أسفاره مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نفذ ما معه تدين واقترض، وكان ينادي في كل يوم: هلموا إلى اللحم والثريد.
وكان ابن سيرين يقول: كان سعدٌ ينادي على أُطمة: من أحب شحماً ولحماً فليأتي، ثم أدركت ابنه مثل ذلك، ومن يشابه أبه فما ظلم.
بأبه اقتدى عديٌ في الكرم***ومن يشابه أبه فما ظلم
ولهذا يقول الذهبي -رحمه الله- في السير: "وجود قيس يضرب به المثل، وقفت عليه عجوز فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان" هي تعرض بالحاجة، والجرذان إنما تكون في حال وجود الطعام، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي، فقال: ما أحسن هذه الكفاية، املئوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً.
ومرض مرةً فاستبطأ إخوانه فلم يعودوه، فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الديون، فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي بالمدينة من كان عليه لقيس بن سعد حقٌ فهو منه برئ، فانكسرت عتبته بالعشي لكثرة زواره وعواده.
وقد قيل له مرةً: هل رأيتَ أحداً هو أسخى منك؟ فقال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم -يعني كلوا منها ما شئتم- فلما كان الغد جاء بأخرى ونحرها وقال: شأنكم، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة، لم نأكل منها إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم الضيفان البائت، فأقمنا عنده أياماً والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا منه وخرجنا، فلما متع النهار -يعني ارتفع- وإذا برجلٍ يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتموني ثمن القِرى، ثم لحقنا وقال: لتأخذونها أو أطعنكم برمحي هذا، يقول: فأخذناها وانصرفنا، قيس بن سعد بن عبادة يقول: هذا الرجل الأعرابي أكرم مني.
وهذه قضية تنفع المؤمن وهو أنه لربما عمل الكثير في بابٍ من أبواب الخير، ولم يعدم أحداً يفعل فعله وأعظم من فعله ولربما مع الحاجة.
وأما مَن بعد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فكانت أخبارهم أيضاً عجيبة في هذا الباب، فهذا الربيع بن خثيم من التابعين أصابه الفالج وهو الشلل، فطال وجعه، فاشتهى لحم دجاج، فكفَّ نفسه لا يريد أن يسأل امرأته وهي امرأته، لم يرد سؤالها، فكف نفسه ومنعها عن شهوته لهذا الطعام أربعين يوماً، ثم حكى لها بعد ذلك، فاشترت دجاجةً بدرهم ودانقين فشوتها وخبزت خبزاً وجعلت له أصباغاً كالحلوى، يعني الحلى مع الطعام، ثم جاءت بالخوان وهو ما يوضع عليه الطعام، فلما ذهب ليأكل وقف سائلٌ بالباب فقال: تصدقوا عليه، فكف الربيع بن خثيم عن الأكل وقال: خذي هذا فادفعيه إليه، قالت: فأنا أصنع ما هو أحب إليه، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك، قال: قد أحسنتِ، أتيني بثمنه، فجاءت بثمن الدجاجة والخبز والأصباغ، فقال: ضعيه على هذا وادفعيه جميعاً إلى السائل.
أين نحن من هؤلاء؟ وكان الربيع لا يعطي أقل من رغيف، ويقول: إني لأستحي أن يرى في ميزاني أقل من رغيف.
وأما عامر بن عبد الله بن الزبير وهو من أجواد الناس فقد اشترى نفسه من الله بديته ست مرات تصدق بها، يدفع الدية ست مرات ليفدي نفسه من عذاب الله -عز وجل-.
وأما حكيم بن حزام فكان يقف في عرفة ويخرج مائة رقيق، ويقول: هؤلاء عتقاء حكيم بن حزام لله -عز وجل-، وكان يخرج مائة بدنة، ويجعلها هدياً لبيت الله الحرام، فكان أهل الموقف يضجون بالبكاء -أهل عرفة- ويقولون: اللهم هذا عبدك حكيم قد أعتق رقاب عبيده، اللهم أعتق رقابنا من النار.
رجلٌ واحد يقف في الموقف بعرفة ويعتق مائة رقيق، ويرجو أن يعتق الله رقبته من النار، فماذا قدمت في حجك في يوم عرفة؟ بل ماذا ستقدم في هذه الأيام وأنت تستقبل شهر الله الكريم؟ نسأل الله -عز وجل- أن يبلغنا وإياكم إياه.
وقد اشترى حبيب العجمي نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدق بها، وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله -عز وجل-، واشترى عبد الله بن عامر بن كريز القرشي من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق بسبعين ألف درهم، فلما كان الليل سمع بكاء آل خالد، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ فقيل له: يبكون من أجل دارهم، يعني على فراقها، فقال: يا غلام، ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعاً، رد عليهم دارهم لما سمع بكاءهم، وملكهم هذا المال الذي دفعه ثمناً لها.
وقال الحسن والحسين -رضي الله تعالى عنهما- لعبد الله بن جعفر الذي ذكرت لكم طرفاً من خبره آنفاً، قالوا له: إنك قد أسرفت في بذل المال، قال: إن الله قد عودني أن يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني.
وكانت له أخبار عجيبة في الجود من أراد أن يراجعها فلينظر في ترجمته في تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر -رحمه الله تعالى-.
وهذا ابن شهاب الزهري الإمام المحدث المعروف، كان من أسخى الناس كما قال عنه الإمام مالك وهو تلميذه، أصاب أموالاً كثيرة فكان يفرقها، فقال له مولىً له وهو يعظه: قد رأيتَ ما مرَّ عليك من الضيق والحاجة فانظر كيف تكون؟ أمسك عليك مالك، قال: إن الكريم لا تحنكه التجارب، يعني أنه إذا بذل ماله يوماً فاحتاج وافتقر لا تحنكه التجربة فيكون ذلك درساً له فيمتنع من الإنفاق في سبيل الله -عز وجل-.
جاء أعرابي إلى سعيد بن العاص فأمر له بخمسمائة، فقال خادم سعيد: خمسمائة دينار أو خمسمائة درهم؟ فقال: إنما أمرتك بخمسمائة درهم، لكن لما وقع في نفسك أنها دنانير فادفع إليه خمسمائة دينار، فلما قبضها الأعرابي جلس الأعرابي يبكي، فقال له سعيد: مالك ألم تقبض نوالك؟ قال: بلى والله، ولكن أبكي على الأرض كيف تأكل مثلك؟
وكان دخل الليث بن سعد الإمام المعروف الفقيه كان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما أوجب الله عليه زكاة درهمٍ واحدٍ قط، كان ينفق ذلك فلا يجتمع عنده نصابٌ.
يقول بعض الزهاد من المتقدمين: فتشت الأعمال كلها فما وجدتُ فيها أفضل من إطعام الطعام، أودُّ لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئاً، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها، يقول: يدي لا يبقى فيها شيء، كل ما جاءني فأدفعه لهؤلاء المحتاجين.
وأما الشعبي -رحمه الله- الإمام الحافظ المعروف الذي كان يقول: أقل ما أحفظه الشعر، ولو شئتم لحدثتكم شهراً لا أعيد بيتاً، وكان لا يقرأ ولا يكتب لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان آيةً في الحفظ والعبادة، كان يقول: ما مات لي قرابةٌ وعليه دينٌ إلا قضيته عنه.
وأما الواقدي -صاحب المغازي- فيقول: صار إليّ من السلطان ألف درهم ما وجبت علي زكاةٌ فيها، ومات وهو في القضاء وليس له كفن، فبعث الخليفة بأكفانه.
وعوتب ابن المبارك وهو العالم الكبير الجواد، عوتب فيما يفرق من الأموال في البلدان دون بلده، فقال: إني أعرف مكان قومٍ لهم فضلٌ وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، ولحاجة الناس إليهم احتاجوا، يعني تفرغوا للناس في بث حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
وكان يقول للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرت، وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم.
وأما مورق العجلي فكان يتجر وينفق أرباحه على المحتاجين والفقراء، وكان يقول: لولاهم ما اتجرت، لولاهم ما اشتغلت بالتجارة، فأين تجار المسلمين الذين لو أخرجوا الزكاة فقط لصار فقراء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من أغنى الناس؟! لو أخرجوا الزكاة فقط فضلاً عن أن يجودوا بغير ذلك من الصدقات.
جاء رجلٌ إلى الإمام الشافعي -رحمه الله- فأعطاه ورقةً يقول له فيها: أنا بقال رأس مالي درهم، وقد تزوجت فأعني، فقال الشافعي لتلميذه وصاحبه الربيع: أعطه ثلاثين ديناراً، فقال الربيع: أصلحك الله إن هذا يكفيه عشرة دراهم، فقال: ويحك، وما يصنع بثلاثين دينار، أفي كذا أم كذا، يعني في أي شيء يصرف هذه الثلاثين، أعطه.
وكان يقول - أعني الشافعي -رحمه الله -:
يا لهف قلبي على مالٍ أجود به*** على المقلين من أهل المروءات
جإن اعتذاري إلى من جاء يسألني***ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وأما ابن المُنَيّر وهو عالم من العلماء المتأخرين -رحمه الله تعالى- فكان يجلس في دكان له في بعلبك، وكان يضع الأموال في أوراقٍ يلفها على المال، ثم يضع ذلك في ناحية في دكانه، فإذا جاء السائل مد يده إلى واحدةٍ من هذه الأوراق التي في داخلها هذه الأموال، ثم يعطيها إلى هذا السائل دون أن ينظر إليه؛ لئلا يحرجه؛ ولئلا يرى وجهه فإذا رآه يتذكر أن له يداً عليه، فهو لا يريد منه جزاءً ولا شكوراً، كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [(9، 10) سورة الإنسان] فكان جزاؤهم {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [(11) سورة الإنسان].
وأما المرأة فلها أيضاً أخبارٌ عجيبة في باب الإنفاق في سبيل الله -عز وجل-، وفي باب الجود، فهذه أم ذرة تقول: دخلت على عائشة -رضي الله عنها- وعندها مائة ألف درهم، فجعلت تقسمها حتى ما بقي منها شيء، ثم قالت: يا جارية هاتي فطري وكانت صائمة، فجاءت بخبزٍ وزيت، فقالت لها: يا أم المؤمنين ما كان عليك لو أخذت درهماً مما قسمت فاشتريت به لحماً فأكلتِ وأطعمتنا، فقالت: لا تعنفيني، لو ذكرتُ ذلك أو ذكرتني لفعلت.
ومن أيضاً أخبارها أنها تصدقت بخمسين ألفاً، وكانت درعها -رضي الله تعالى عنها- مرتهنة، ومن أخبارها أيضاً أنه أهدي لها سلالٌ من العنب، فجعلت تفرقها، فجاءت الجارية فعمدت إلى سلةٍ من هذه السلال فأخرتها وأخفتها، فلما كان الليل جاءت بهذه السلة، فقالت عائشة: ما هذه؟ قالت: هذه ادخرتها لنأكل منها، فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أفلا عنقوداً واحداً -يعني لماذا أخذتِ سلةً كاملة- أفلا عنقوداً واحداً، والله لا أكلتُ منه شيئاً.
وأما أسماء -رضي الله تعالى عنها- بنت أبي بكر وهي أخت عائشة -رضي الله عنها- فكانت لا تدخر شيئاً لغدها.
وليس ذلك يختص بالأغنياء وأهل الثراء، وإنما كما قال الله -عز وجل-: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [(7) سورة الطلاق] فجهد المقل يبارك الله -عز وجل- فيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))(4) وأخبر الله -عز وجل- عن صفة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وقال معقباً على ذلك: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [(9) سورة الحشر] وهذه الآية نزلت حينما جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من يضم أو يضيف هذا؟)) فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما)) فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [(9) سورة الحشر](5).
ويقول القرطبي -رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: اجتمع بعض الناس على أرغفة يسيرة لا تكفيهم، فوضعت وأطفئ السراج ثم فتح بعد ذلك، فإذا هي لم تمس، فكان كل واحدٍ من هؤلاء يؤثر إخوانه على نفسه.
قالت أم بُجيد -رضي الله تعالى عنها- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إياه، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إياه إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده))(6) وفي رواية: ((لا تردي سائلكِ ولو بظلف))(7) أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
يقول أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: "ما وددت أن أحداً ولدتني أمه إلا أم جعفر بن أبي طالب، تبعته ذات يوم وأنا جائع، فلما بلغ الباب التفت فرآني، فقال لي: ادخل، فدخلت، ففكر حيناً فلم يجد في بيته شيئاً إلا لحياً كان فيه سمن، فأنزله من رفٍ لهم، فشقه بين أيدينا فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والزيت وهو يقول:
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها***ولا تجود يدٌ إلا بما تجد
وركب شعبة بن الحجاج -رحمه الله- على حمارٍ له، فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه حاجته، فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار، ثم نزل ودفعه إليه.
إن الكريم ليخفي عنك عسرته***حتى تراه غنياً وهو مجهودُ
وللبخيل على أمواله عللٌ ***زرق العيون عليها أوجهٌ سودُُُ
يعني البخيل إذا أتيته ولو كان يملك القناطير المقنطرة يتعلل بأن عليه حقوقاً، وأن عليه ديوناً، وأن عليه تبعات، فهو لا يستطيع أن يدفع، وأن ماله غائب، وقد وظفه في كذا وكذا وكذا، وليس بحضرته منه شيء.
إن الكريم ليخفي عنك عسرته***حتى تراه غنياً وهو مجهودُ
وللبخيل على أمواله عللٌ***زرق العيون عليها أوجهٌ سودُ
إذا تكرهت أن تعطي القليل ولا***تكون ذا سمعةٍ لم يظهر الجودُ
بث النوالى ولا يمنعك قلته***فكل ما سد فقراً فهو محمودُ
أي ولو قلّ.
وكان أويس القرني يمسي ويتصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياً فلا تؤاخذني به، وكان يقول في دعائه: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبدٍ جائعة وبدنٍ عارٍ، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس لي شيءٌ من الدنيا إلا ما على ظهري، ولم يكن على ظهره حينذاك إلا خرقة، وهو الرجل الذي أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر -رضي الله عنه- إن لقيه وجاء في أمداد اليمن أن يطلق منه أن يستغفر له، وكان -رحمه الله- يتصدق بثيابه حتى لربما جلس من غير ثياب فلا يجد شيئاً يذهب به إلى الجمعة.
وأما عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنه- فله خبرٌ عجيب مع رجلٍ رقيق، خرج عبد الله بن جعفر وهو الجواد المعروف خرج إلى ضيعة له، فنزل عند نخل قومٍ وفيها غلامٌ أسود يقوم عليها كالحارس، فجيء بقوته -هذا الغلام جيء بقوته- وهو ثلاثة أقراص من الخبز، فدخل كلبٌ ودنا من الغلام فرمى إليه بالقرص الأول فأكله الكلب، ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلها -ونحن نعلم أن هذه البهائم إذا جاعت تأكل الخبز كما هو مشاهد- فأكلها وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك في كل يوم؟ فقال: هو ما رأيت فقط، فقال: فلمَ آثرت هذا الكلب؟ قال: ليست هذه بأرض كلاب، وهذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده، فقال له عبد الله بن جعفر: فماذا ستنصع هذا اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا -يعني على الجوع- فقال عبد الله بن جعفر: أُلام على السخاء وهذا أسخى مني؟! فاشترى الحائط –المزرعة- والغلام، وما فيه من الآلات، فأعتق الغلام، ووهب ذلك له جميعاً.
وهناك أيضاً خبرٌ آخر يشبه هذا وقع لعمر بن عبيد الله بن معمر حيث مر بزنجي يأكل عند حائط وبين يديه كلب، فكان الزنجي إذا أكل لقمة رمى بلقمة إلى الكلب، فقال له: أهذا الكلب لك؟ فقال: لا، قال: فلمَ تطعمه مثل ما تأكل؟ قال: إني أستحي من ذي عينين ينظر إلي أن أستبد بمأكول دونه، فقال له: أحرٌ أنت أم عبد؟ قال: عبد لبعض بني عاصم، فجاء إليهم في ناديهم فاشتراه واشترى الحائط، ثم جاء إليه فقال: أعلمت أن الله أعتقك؟ فقال: الحمد لله وحده، ولمن أعتقني بعده، قال: وهذا الحائط لك، قال: أشهدك أنه وقفٌ على فقراء المدينة، قال: ويحك تفعل هذا مع حاجتك؟ فقال: إني أستحي من الله أن يجود لي بشيء فأبخل به عليه.
هذا رجل يستحي من الكلب أن ينظر إليه بعينيه فلا يعطيه شيئاً، فأين نحن من أيتام المسلمين، ومن أرامل المسلمين ومن جوعى المسلمين ممن يموتون عرياً وجوعاً في أصقاع كثيرة من العالم، ونحن نتقلب بألوان النعم الظاهرة والباطنة.
قيل لمعروف الكرخي في مرضه الذي مات فيه: أوصي، فقال: إذا مت تصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً، كما دخلت إليها عرياناً.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- جاء في طريق فمر بأحد الناس فجلس ذلك الرجل يدعو لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففهم شيخ الإسلام أن الرجل يعرض بالحاجة، يعرض بالمسألة، فلم يكن معه ما يعطيه فنزع ثوبه ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه ثم اعتذر إليه من كونه لا يحضره شيء من النفقة.
وكان شيخ الإسلام كما قيل في خبره وترجمته لا يرد سائلاً، وإذا سئل شيئاً من كتبه أعطى، وكان يقول للسائل: خذ منها ما شئت.
وقال عنه الذهبي: إنه أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل، يقول بعض من رآه وجالسه: كنت جالساً يوماً بحضرته فجاءه إنسان فسلم عليه، فرآه الشيخ محتاجاً إلى ما يعتم به -ما عليه عمامة ولم يسأل شيخ الإسلام- فخلع شيخ الإسلام -رحمه الله- عمامته وقطعها نصفين، ثم أعطى هذا الرجل نصف عمامته ولبس النصف الآخر.
وأما النوع الثالث من أنواع الجود: فهو الجود بالعلم:
وهذه رسالة أوجهها إلى طلبة العلم وإلى العلماء ألا يبخلوا على الناس بالعلم، أن يعلموا الناس العلم في ليلهم ونهارهم، وهذا مظنة أن يبارك الله -عز وجل- لهم في هذا العلم.
وقد قال ابن القيم -رحمه الله-: والناس في الجود بالعلم على مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله -عز وجل- وتقديره النافذ أن لا ينفع به بخيلاً.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالعلم، فكان يعلم من غير مسألة، كان يسأل أصحابه: ((أتدرون ما المفلس؟))( ثم يذكر لهم الجواب، وقد يُسأل فيذكر الجواب ويزيد السائل فائدة، لما سئل عن البحر قال: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))(9).
ودخل رجل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب، فطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمه مما علمه الله، فقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- الخطبة ثم نزل ووضع له الكرسي فعلمه ما شاء الله أن يعلمه، ثم عاد وأكمل خطبته.
يقول ابن القيم -رحمه الله- واصفاً شيخ الإسلام في هذا الجانب يقول: لقد شاهد الله منه -قدس الله روحه- في ذلك أمراً عظيماً، كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي لربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته، يقول: وهذه فتاويه -رحمه الله- بين الناس فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك.
فمن جود الإنسان بالعلم أن لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلقاتها ومآخذها بحيث يشفيه ويكفيه.
ولا يحسن بطالب العلم أن يحتبس عن الناس بين جدران مكتبته، فإن العلم إنما يُتعلم ليتقى الله -عز وجل- به، ومن اتقاء الله -عز وجل- بالعلم أن يبذل للناس؛ لأن الإنسان سيسأل عن علمه ماذا عمل به؟
ومن أنواع الجود أيضاً وهو الرابع: أن يجود الرجل براحته ورفاهيته وإجمام نفسه:
فيجود بها لمصلحة غيره، أن يتعب بدنه ونفسه ويرهقها في سبيل راحة الآخرين، فهو كما قيل:
متيمٌ بالندى لو قال سائله*** هبلي جميع كرى عينيك لم ينمِ
فلو كان صاحب هذا الجود في غاية التعب والضعف والإرهاق فإنه لا يعتذر عن إعانة محتاج، يقول بعضهم:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله***ويخصب عندي والمكان جديبُ
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ***ولكنما وجه الكريم خصيبُ
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق))(10). ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ((لن تسعوا الناس بأموالكم))(11) فيمكن للإنسان أن يقدم وأن يبذل رفاهيته وراحته، ويجود بذلك من أجل أن يعين الآخرين.
ومن ذلك أيضاً وهو الخامس: الجود بمنافع البدن:
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لأن أمشي في حاجة أخي أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً))(12) وقال: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة))(13).
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم***فلطالما استعبد الإنسان إحسانُ
ومن ذلك أيضاً وهو السادس: الجود بالوقت:
وليس ذلك على كل حال، فلا يجود الإنسان بوقته مع البطالين، تذهب أوقاته سدى، وإنما يقدم وقته لمن ينتفع به في شأنٍ من الشؤون، قد يأتي الإنسان إليك يحتاج إلى استشارةٍ، أو يحتاج إلى رأيٍ، أو يحتاج منك إلى أن تقف معه في أمرٍ من الأمور، أو يحتاج إلى أن تسمع منه همه ومشكلته، فأعطِ الناس من وقتك يبارك لك في هذا الوقت.
وقد كانت الجارية من جواري المدينة تأخذ بيدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتذهب به حيث شاءت.
وأما السابع من أنواع الجود وهو من أعجبها: وهو الجود بالعرض:
قد لا يكون عند الإنسان جهدٌ بدني، وليس عنده ما ينفع الناس به من رأيٍ ولا علمٍ ولا مالٍ ولا غير ذلك، لكنه لم يعجز عن لونٍ من ألوان البذل والجود وهو بذل العرض.
وكان بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كأبي ضمضم -رضي الله تعالى عنه- إذا أصبح قال: "اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو مني في حل".
والثامن من أنواع الجود: وهو الجود بالصبر واحتمال الأذى والعفو:
والله يقول: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [(40) سورة الشورى] فذكر مقام العدل وأذن فيه، ومقام الفضل وندب إليه، ومقام الظلم وحرمه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب))(14) وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله -عز وجل- على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء))(15).
ولربما ضحك الحليم من الأذى***وفؤاده من صدره يتأوه
ولربما شَكَلَ الحليم لسانه***حذر الجواب وإنه لمفوه
ومن عجيب أخبار أهل العفو وأهل الجود في هذا الباب أنه لم أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجالٌ من بني أمية، ومنهم: إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، فأخذوا له أماناً من أبي العباس السفاح، فلما دخل عليه قال له: حدثني عما مر بك في اختفائك، فقال: كنتُ يا أمير المؤمنين مختفياً بالحيرة في منزلٍ مشرفٍ على الصحراء، فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت إلى أعلام سود -وهي شعار بني العباس- قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فتخيلت أنها تريدني فخرجت من الدار متنكراً، حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحداً بها أختفي عنده، يقول: فبقيت في حيرة، فإذا أنا ببابٍ كبير ورحبةٍ واسعة، فدخلت فيها فإذا رجلٌ وسيم حسن الهيئة على فرسٍ قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه، فقال: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقلت: رجلٌ خائفٌ على دمه، وقد استجار بمنزلك، يقول: فأدخلني منزله
ث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aljanat.alafdal.net
الصياد
المدير العام
المدير العام
avatar

الاوسمة :






الهواية : الركض
المهنة : طالب
البلد : فلسطين
عدد المساهمات : 411
التقييم : 1

مُساهمةموضوع: رد: كان أجود الناس    الخميس سبتمبر 01, 2011 4:58 am

شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زهرة الربيع



الاوسمة :
المهنة : طالب
البلد : سورية
عدد المساهمات : 2
التقييم : 0

مُساهمةموضوع: رد: كان أجود الناس    الثلاثاء سبتمبر 06, 2011 4:19 pm

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الصياد
المدير العام
المدير العام
avatar

الاوسمة :






الهواية : الركض
المهنة : طالب
البلد : فلسطين
عدد المساهمات : 411
التقييم : 1

مُساهمةموضوع: رد: كان أجود الناس    الأربعاء سبتمبر 07, 2011 7:12 am

شكرا لتسجيلك زهرة الربيع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كان أجود الناس
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الجنة :: منتديات العامة :: القسم الاسلامي-
انتقل الى: